السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
275
مفاتيح الأصول
وأشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي المعارج لنا أن الدليل المقتضي لثبوت الحكم السّابق ثابت والدليل الثاني ليس رافعا لمثل حكمه فلا يكون نسخا وفي الإحكام أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا لنا إذا كانت الصّلاة أربع ركعات فكل ركعتين منها واجبة فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب الآخر وكذلك إذا كانت صلاة واجبة والطَّهارة شرطها فنسخ شرط الطهارة لا يكون موجبا لنسخ الصّلاة بل الوجوب باق بحاله وفي شرح المختصر لنا لو كان نسخا للركعتين الباقيتين في الجزء وإلا رفع في الشرط فيفتقر في وجوبها إلى دليل غير الأول وأنه باطل بالاتفاق وفي العدة حكى أبو عبد اللَّه البصري عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول إن العبادة إذا نسخ بعضها لا يكون نسخا لجميعها ويجري ذلك مجرى العموم إذا خصّ أو استثنى منه فإن ذلك لا يكون تخصيصا للكل وللقول الثاني ما أشير إليه في جملة من الكتب وقد أشارت إلى الجواب عنه أيضا ففي المعارج بأن قالوا العبادة كانت مجزية بتقدير أن لا يفعل الشرط وقد صارت الآن مجزية فقد انتسخ الأجزاء قلنا لا نسلم أن ذلك فسخ لأنا بيّنا أن الأجزاء إذا لم يتضمنه الدليل الشرعي يكون معلوما بالعقل فلا يكون زواله نسخا ولو سلمنا أن ذلك إن نسخ لكان نسخا للأجزاء لا نسخا للعبادة وفي شرح المبادي لا يقال رفع كون الركعة الباقية جزءا وصيّرها كلا لأنا نقول ذلك حكم العقل ورفع العقل ليس بنسخ وفي شرح المختصر قالوا ثبت تحريمها بغير ركعتين وبغير طهارة ثم ثبت جوازها ووجوبها بدونهما الجواب المفروض أنه لم يتجدد وجوب بل أبطل الوجوب فقد بانت هو الوجوب الأول والزيادة باقية على الجواز الأصلي وإنما الزائد وجوبهما فارتفع حكم شرعي لا إلى حكم شرعي فلا يكون نسخا وفي الإحكام فإن قيل إذا أوجب الشارع أربع ركعات ثم نسخ منها وجوب ركعتين فقد نسخ وجوب أصل العبادة لا أنه نسخ البعض وتبقية للبعض فإن الركعتين الباقيتين ليست بعضا لأربع بل هي عبادة أخرى وإلا فلو كانت بعضها منها لكان من صلى الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة كما إذا وجب عليه التصدّق بدرهم فيتصدق بدرهمين وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله غير أنهما كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزي وقد ارتفع نسخ الركعتين الزّائدتين حيث صارت تجزي وكان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد لارتفع وقد ارتفع ذلك وهو عين النسخ وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة فإنها كانت قبل النسخ لا تجزي وقد ارتفع ذلك بنسخ الشرط قولهم إن الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الأولى إن أرادوا بالغيرية أنها بعض منها والبعض غير الكل فهو الإحكام ولكن لا يكون نسخا للرّكعتين وإن كان نسخا لوجوب الكل وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الأربع فهو غير الإحكام قولهم لو كانت بعضا من الأربع لكان من صلَّى الصبح أربعا قد أتى بالواجب وزيادة قلنا ولو لم يكن بعضا من الواجب الأول بل عبادة أخرى لاقتصرت في وجوبهما إلى ورود أمر يدل على وجوبهما وهو خلاف الإجماع وحيث لم يصحّ صلاة الصبح بالإتيان بالأربع ركعات إنما كان لإدخال ما ليس من الصّلاة فيها قولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا يجزي قلنا إن أردتم به وجوب القضاء فهو نسخ لا لنفس العبادة قولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الأربعة ليس كذلك فإن التشهد بعد الركعتين جائز نعم غايته أنه لو لم يكن واجبا وعدم وجوبه لبقائه على العدم الأصلي فرفعه لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف وعلى هذا فقد عرف الجواب عن قولهم إن العبادة لا تجزي دون الطهارة ثم صارت مجزية وللقول الثالث ما ذكر في العدة فقال الَّذي ينبغي أن يعتمد في هذا الباب أن يقال العبادات الشرعية قد تكون جملة ذات الشروط كالصّلاة وتكون فعلا واحدا وله شروط وقد يكون فعلا مجردا فإذا كانت العبادات فعلا واحدا فالنسخ إنما يصحّ فيها بأن يسقط وجوبها ولا يصحّ أن ينسخ بعضها لأنه لا بعض لها فأما نسخ شروطها فإنه لا يجب نسخها وكذلك نسخ شروط الجملة التي هي ذات الشروط لا يوجب نسخها لأن من حق الشروط أن يكون في حكم التابع للمشروط لأنه لا يجب لأجله وليس في نسخه تغير حال المشروط فأما إن نسخ بعض تلك الجملة كنسخ ركوع أو سجود فإن ذلك يوجب نسخ الجملة لأن تلك الجملة لو وقعت في المستقبل على الحد الذي كانت واجبة وإلا لم يجز ووجب إعادتها فصار نقصان القبلة بمنزلة إخراج الصلاة عن كونها واجبة أو جائزة فلذلك وجب أن يكون نسخا وهو بمنزلة الزيادة أيضا في هذا الوجه فيجب أن يكون مثلها في أنه نسخ وللقول الرابع ما ذكره في النهاية فقال احتج المرتضى بأن نسخ الركعة يقتضي نسخ وجوب أصل العبادة لا أنه نسخ للبعض وإبقاء للباقي فإن الركعتين الباقيتين ليست بعض المثلثة بل هي عبادة أخرى وإلا لكان من صلَّى الصبح ثلثا آتيا بالواجب كما أن يتصدق بدرهم فتصدق بالدرهمين ثم أجاب عن هذه الحجة فقال والجواب إن أردت بالمغايرة أنها بعض منها والبعض مغاير للكل الإحكام ولكن لا يكون نسخا للركعتين وإن كان نسخا لوجوب الكل وإن أردت أنها ليست بعضها من الثلث فهو غير مسلم قوله وإلا لكان من صلى الصبح إلى آخره قلنا ولو لم يكن بعضا من الواجب الأول بل هو عبادة أخرى فتقر وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها وهو خلاف الإجماع وإنما لم يصح الصّبح عند الإتيان بثلاث لإدخال ما ليس من الصلاة فيها انتهى والمسألة في غاية الإشكال والتحقيق أن يقال إن القائل بأن نسخ جزء العبادة وشرطها يستلزم نسخ العبادة إن أراد أنه يلزم الحكم بكون الأجزاء الباقية